اغلاق
اغلاق

سياحة

القصور المخفية في روما

يحلم المحبون في أرجاء العالم بزيارة روما التاريخية الرومانسية الحالمة لكن الكثيرين يغفلون ثلاثة قصور رائعة في وسط المدينة ستجعل أحباءها - اذا تمكنوا من رؤيتها - يحلقون في أجواء عاطفية أخاذة وهم يتهادون في الشوارع الصغيرة والازقة الاثرية المحيطة بساحة شهيرة تدعى "مخيم الزهور" (كامبو دي فيوري بالايطالية). في وسط الساحة يقف تمثال الفيلسوف جوردانو برونو متحديا الكنيسة بعد أن أحرقته محاكم التفتيش حيا في هذه البقعة عام 1600 لأنه ادعى أن مركز الكون ليس كوكب الارض أما اليوم فقد تحولت الساحة الى سوق للخضار والفاكهة والزهور في الصباح ومرتع للسياح والعشاق ومحبي الفن والطعام في المساء وحافلة بالضوضاء ومحبي الشراب ليلة السبت.



قصر فرنيزي: أجمل مبنى في العاصمة الايطالية أصبح مقرا للسفارة الفرنسية لدى ايطاليا. اشترى البناء عام 1495الكاردينال الكسندر فرنيزي بالقرب من مخيم الزهور وأتم تصليحه وتعديله جزئيا عام 1513 المهندس المعماري سانغالو وريث الفنان الخالد مايكل انجلو بعد ترفيع فرنيزي الى بابا الفاتيكان لكن البناء لم يكتمل بشكله الحالي قبل انقضاء 75 عاما وأصبح درة أبنية عصر النهضة فوصلت أخباره الى الكاردينال والسياسي الداهية الفرنسي ارمان ريشيليو كبير وزراء الملك لويس الثالث عشر والحاكم الفعلي لفرنسا في القرن السابع عشر الذي تمكن من جعل المبنى سفارة الحكومة الملكية لعائلة البربون الفرنسية التي حكمت نابولي وصقلية لدى البابوات الذين حكموا روما والمقاطعات المجاورة لها حتى عام 1870 عام الوحدة الايطالية حين أصبحت روما عاصمة الوحدة واضطر البابا لترك قصوره بما فيها قصر الكويرينالي الذي غدا القصر الملكي ثم الجمهوري حاليا. اشترت فرنسا قصر فرنيزي عام 1911 لمدة 25 عاما وجعلته مقرا لسفارتها، لكن حكومة موسوليني استرجعت القصر عام 1936 واعتبرته تراثا ايطاليا يحق لها تملكه انما سمحت للحكومة الفرنسية باستئجار المبنى بسعر رمزي حتى عام 2011. نظرا لضخامة القصر وغرفه الفخمة تضطر الحكومة الفرنسية حاليا الى تخصيص ربع ميزانيات سفاراتها في العالم لعمليات الصيانة في هذا المبنى العريق المليء بالسجاد الفخم الاوروبي المعلق على الجدران والتحف واللوحات النادرة لكبار الفنانين أمثال تيسيانو وكاراتشي. أقامت كريستينا ملكة السويد في احد صالونات القصر لمدة سبعة أشهر عام 1656 فسميت الصالة باسمها حتى اليوم.

لا يسمح للجمهور أو السائحين بزيارة هذا القصر النفيس الا في المناسبات الخاصة القليلة، لذا فوجئت لدعوة السفارة الفرنسية وجمعية السيدات الفرنسيات في روما لحضور حفلة موسيقية رائعة أحياها الشهر الماضي مغن سوري من حلب (رازق فرانسوا بيطار) أبدع فيها بغناء الموسيقى الكلاسيكية من نوع خاص يسمى كونتر تينور لهاندل وديبوسي ورافيل التي تنسجم مع جو القصر وزخرفته.  يعرف قصر فرنيزي بأن الموسيقار المشهور بوتشيني اختاره مكانا لاحداث الفصل الثاني من اوبرا "توسكا"، حيث تطعن الحسناء توسكا رئيس الشرطة الذي كان يراودها في نفسها بعد اعتقال حبيبها وهو دور اشتهر فيه مغني الاوبرا الايطالي لوتشيانو بافاروتي.

قصر سبادا: يبعد قليلا عن ساحة مخيم الزهور ويسمح للسياح بزيارته في ساعات معينة. أمر ببنائه عام 1548 الكاردينال كابوديفيرو ثم اشتراه الكاردينال برناردينو سبادا (أي سيف بالايطالية) عام 1632 حين كانت روما بأجمعها عاصمة للدولة الباباوية وطلب من النحات والمهندس المعماري الشهير آنذاك فرانشسكو بوروميني تحسينه وادخال التعديلات عليه ثم اشترته الدولة الايطالية عام 1927 وتقطنه اليوم احدى اداراتها. لبوروميني قصص عديدة حول منافسته لفنان ونحات ومعماري آخر هو جانلورنزو برنيني الذي ترك بصماته على قصور روما ونوافيرها المشهورة بما فيها نافورة الاحلام ونافورة الانهر في ساحة نافونا القريبة. رغم اعتراف كل منهما بمواهب الآخر واسلوبهما الباروك (اللؤلؤة الخام بالبرتغالية) المميز الا أن الغيرة كانت تشتعل في قلبيهما دائما. قام كل منهما بانشاء وزخرفة كنيستين قريبتين للقصر الجمهوري حاليا قصر الكورينالي مقر البابوات سابقا. لا يملك السائح أو الخبير في الهندسة الا أن يعبر عن اعجابه للفن المدهش الذي توخاه أحدهما قبل 350 سنة وللموهبة الخارقة التي ألهمت منافسه. تميز برنيني بميله الى الحدس والبديهة في تحويل الحجر الى قطعة فنية نادرة وكأنه عجينة طرية بين يديه، أما بوروميني فكانت له طريقة مغايرة تعتمد المبادئ الهندسية الصارمة ولم يحب المسايرة لارضاء البابوات والكاردينالات رعاة الفن والجمال في تلك الحقبة ولم يجنح الى السكوت اذا سمع انتقادا لاعماله وأنهى حياته بالانتحار برمي نفسه على السيف. نلمس في قصر سبادا مدى عبقريته الفنية وحبه للتوازن الجمالي. اذا نظرنا الآن الى الحيلة البصرية التي استعملها في بناء رواق حديقة القصر بطريقة الرسم المنظوري لوجدنا أن طول الرواق بحوالي تسعة أمتار يبدو وكأنه ضعف ذلك لانه استخدم حسابات هندسية معينة تسمح بالخداع البصري. دخلت قطة في الرواق اثناء زيارتي له وبعد ثوان بدت لي بضعف حجمها وعلى مسافة أبعد من الواقع.

قصر فالكونييري: قل الثناء على بوروميني بعد نجاح برنيني المطرد وانقذه صديقه الثري اورازيو فالكونييري حين كلفه بتعديل وزخرفة قصره الجديد الذي اشتراه من عائلة فرنيزي والقريب من نهر التيبر الذي يخترق روما ولا يبعد كثيرا عن قصري فيرنيزي وسبادا. يقع القصر في شارع جوليا الحافل بمحلات بيع القطع الاثرية والانتيكا والمطاعم الآن وأصبح مقرا للمعهد الثقافي الهنغاري منذ عام 1928 الا أن شعار الصقر (ترجمة لقب فالكونييري) ما زال يرتفع شاهقا فوق البناء وكأن انشاءه تم منذ بضع سنوات لا من أيام القرن السابع عشر. سمح تصميم القصر لبوروميني بالتعبير عن أفكاره المبتكرة التي لم يفقدها مع فقدانه للعطف والرعاية الكنسية ونرى تركته في الدرج الرائع داخل القصر والاسقف المزخرفة بترف وغزارة، أما منافسه برنيني فشد رحاله الى باريس عام 1664 ليضع موهبته في خدمة الملك الفرنسي لويس الرابع عشر لتوسيع متحف اللوفر. يمكن زيارة القصر اثناء النشاطات الثقافية للاكاديمية الهنغارية أو الحفلات الموسيقية الخاصة للفنانين الكبار القادمين من بودابست الى روما ومن بينهم عازف البيانو المعروف اندراس شيف البارع في عزف موسيقى شوبرت وبيتهوفن باسلوب حالم أخاذ.

اذا كنت من محبي الفن والعمارة ستجد قصورا اخرى في روما وأغلبها تحول الى متاحف أو سفارات، اذ لم يعد بإمكان ورثتها من العائلات النبيلة أن يقوموا بدفع المبالغ الطائلة لصيانتها. من أبرزها "قصر باربيريني" وفيه عدة متاحف مهمة وهو قريب من شارع فينيتو السياحي بوسط المدينة ومن زاوية النوافير الاربع (كواترو فونتاني بالايطالية) حيث تجد الكنيسة الشهيرة التي صممها بوروميني وفي الطرف الآخر النافورة الرائعة التي صممها برنيني في ساحة باربريني أحد البابوات الذين توالوا على حكم روما. هناك ايضا قصر كورسيني وقصر روسبولي وقصر دوريا بامفيلي واللائحة طويلة.

أينما ذهبت في روما وزرت معالمها ستجد أن برنيني وبوروميني قد زارها قبلك وتركا أعمالهما الخالدة منذ أربعة قرون. اذا شئت بالتحديد هناك ساحة اسبانيا وساحة الشعب (بياتزا ديل بوبولو) وساحة نافونا وساحة بلدية روما (كامبيدوليو) والفاتيكان وساحات اخرى لا يعرفها الزوار الاجانب للعاصمة الايطالية.أما اذا شئت المتاحف العالمية فبإمكانك زيارة لندن وهامبورغ وفلورنسا ومدريد وباريس وتورنتو وواشنطن واللائحة طويلة فعلا.


نشر: 2007-08-06 07:36:36 A A
انشر عبر الفيسبوك طباعة ارسل لصديق انشر تعقيب
لارسال مواد واخبار لموقع العرب عبر البريد:
alarab@alarab.net
جميع الحقوق محفوظة لموقع لموقع العرب وصحيفة كل العرب