جميع من عرفتهم الآن يقفون ضدّها، مصرّون باتهامها، ويضعون اللوم عليها، أيَّ ذنبٍ ارتكبت لتنال كلَّ هذه القسوة منهم، ألأنّها كانت يومًا راقصة، ما زال مجتمعها يأبى إلاَّ أن يتذكر لها تلك الصورة، وذلك المظهر، وكأنَّ الزمن يقف بها في محطة ويرفض أن يتقدم خطواتٍ بعد، هكذا أضحى البشر في نظرها، فهم لا ينسون، لا يتغيرون، المعاملة ذاتها، والكره عينُه....
حتى أهلها ما فتئوا أن احتقروها بل وتملقوها، وكأنّها قامت بكلِّ خزيٍ وأكبر عار، الجميع يتهامس عليها، على ماضيها، وهي رغم كل محاولاتها أن تبدو جيدة في نظرهم، إلاّ أنَّ الحقد أبى إلاّ أن يحتّل حيزًا مِن نفوسهم، وهي من لم تعرف يومًا أن ترى البشر بعين سوداء، وأبدًا لم تفكر في انتقاد الآخرين قبل النظر إلى ذاتها، أتُراها قد امتلأت من الشر والمظهر اللا مرغوب؟!
فهي منال التي ومنذ طفولتها عاشت الفقر وذاقت طعم الحرمان، لم تجد أيّ مهنةٍِ تعمل بها لكي ترتفع قليلاً، لكي تشعر بقيمة لنفسها، سوى مهنة الرقص، وكلُ هذا كان، لا ليكون عملاً دائمًا وأبديًا، بل مجّرد فترة تعمل بها بهذه المهنة، إلا أن يصبح معها ما يكفي من المال، فتعيش بحالٍ أفضل، ولا تشعر بأنّها في أسفل الهاوية، والناس من حولها يتهافتون لشراء ما لذَّ وطاب من صنوف الطعام والحلوى، يتوافدون لاقتناء أجمل الحلل والملابس..... وأبهاها، وهي تقف في مكانها، كَمِنْ شخص تحويه حاوية، وترميها على حافة الطريق، ولا يكون لها نصيب خلا من نظرات البشر المصّوبِة نحوها مختلف ألوان الاحتقار، والكره.
حتى الآن وبعد أن حققت ما تمنّته بادئًا، فالأموال تحيطها الآن، بعد أن أُغلقت أما وجهها كل الدروب لأن تعمل في وظيفة أفضل من الرقص، ألَمْ يُؤلمها الحالة التي وصلت إليها الآن، ألَمْ تكن تشعر بالحزن والبؤس جرّاء الحالة التي آلت إليها الآن، ولكن ماذا تفعل والجميع يرفضها، يرفضها الآن بتوبتها، ماذا تعمل لكي تشعر أنّها كباقي البشر، تتمتع بحياة، سترضى بأقِّل ما يمكن من الرفاهية، ولكنّها لن ترضى أن يدوس الفقر عليها، وهي من بإمكانه أن يبلغ ذروة ما طمحت به نفسها.
فلماذا ستجعل الفقر ينهش من عِظامها، وعِظام عائلتها ويسير بهم نحو الحضيض؟
قررّت أن تعمل بالرقص، وإن رفض المجتمع ذلك، لو كان يهّم المجتمع حالها وحال عائلتها، لنظر إلى فقرها منذ البداية، وقدّم المساعدة، بدلاً من أن يكحلوا عيونهم بمرأى البؤس، أين كانوا عندما كانوا يشتهون رغيف خبزٍ،هكذا كانت تعتقد منال، وقررّت عدم التفكير في الأمر مرتين، وأصبحت راقصة مشهورة وتحسنت أحوالها وأحوال عائلتها، والآن هي رجعت أدراجها، رجعت كما كانت، فنالت ما ابتغت، لها، ولكل فردٍ من عائلتها، ولكن غصةٌ ما زالت تكتم أنفاسها، وتجعل الدموع كنهرٍ يفيض على مقلتيها، الجميع يرفضونها الآن، ما زالت في نظرهم هي الراقصة، وليس أكثر، ولأمثالها، حسب ما يعتقدون، لا يجدر نعتها إلاّ بهذا الوصف.
لمنال كان أخٌ كبير يُدعى علاء، لشدة ما سمع علاء من عمّه عن أخته، وسوء سلوكها، وقف أيضًا ضدّها، كلُّ هذا حصل بعد أن تُوفي والد منال، وبقيت تعيش مع أمّها وأختها وأخيها في بيت يبدو كقصرٍ، لا في الكوخ الذي سكنوه سابقًا.
لوالد منال وعمّها كان معمل مشترك، لكن قبل وفاة أسعد والد منال، كانت هنالك خلافات بين الأخوين على المعمل، فما أن كان يرى علاء عمّه حتى يبدأ عمّه بالحديث معه وزرع الشكوك في رأسه حول أخته، وأنّها جعلت سمعة العائلة في الحضيض، لكنَّ علاء لم يكن يجرؤ على المّس بأخته، ذلك أنَّ الحالة المادية الميسورة الذي يعيش بها علاء، كلُ ذلك بفضلها، فكيف له أن يتجرأ ويُهينها؟
لكنَّ منال كانت تشعر بنظرات علاء لها، ملؤُها نارُ كرهٍ قاتلة، لكنّها ما زالت متفائلةً أنّها يومًا ستجد من يفهمها، من يحترمها ويقدّرها، لحاضرها لا لماضيها، وإن كان سيكون مثل غيره، فالأفضل له أن يصبح أيضًا جزءًا من الماضي، الذي لا حاضر لهُ.
مع كلِّ ما تُظهره الأم من فرحٍ وسرور أمام منال للحالة الميسورة التي يعيشونها، إلاّ أنّها آلمها الطريقة التي ادّخرت بها ابنتها المال، كم ودّت لو وجدت ابنتها عملاً أفضل، لكنّها الآن راضية بكل شيء، الأم سامحت منال، ولكن يا ليت الجميع ينسى، ويصفحون، كما الأم صفحت، فلماذا بعد مصرّين على التمعّن في الأشواك، وسبر محتوياتها....
كم ازداد كره منال لعمّها في الآونة الأخيرة، فهو، أقربُ شخصٍ لها، يجدر به أن يتفهمها أكثر من الجميع، ها إنّه ينعتها بأقبح المفردات، لذلك قررّت أن تُجردّه من كل ما لديه من المعمل، اشترت هي المعمل، ورمته خارجًا، بعد أن ظلمها، وأذاع صيتها بين الجميع، وهو لم يكفْ عن التهديد، ولكن لن يستطيع فعل شيء، فلا شيء يمنحه حصانةً، حتى لأَنْ يتجرأ على المّس بكرامتها وشرفها.
أختها سوزان، التي تصغرها بعامين، في المرحلة الأخيرة من الثانوية، تفهمت منال إلى أبعد الحدود، لا سيّما أنّها عاشت الفقر هي أيضًا، وعانت منه، وماذا لو عاشت أفضل، وصارت مثل باقي الناس، ألا يحقُّ لهم، أم أنَّ مثلهم يجب أن لا يرتفعوا، بل أن يظّلوا مكانهم، ولكنّهم الآن ينعمون بالثراء ويعيشون حياة أفضل، كلُّ يومٍ تذهب منال وأختها لشراء ملابس، إجراء تجديدات في المنزل، لم يعد ينقصهم شيء.
أخاها بعد أن كان لا يملك مالاً لكي يُكمل تعليمه، توقف عن العلم فترةً، والآن يكمل تعليمه.
ما ينقص منال هو أن تجد ذلك الشخص الذي يحترمها، يحبها وتحبه، وإن أراد الماضي فلْيَكُنْ للمعرفة فقط، لا للذكرى والعيش معه، وإلاّ فمآله النسيان....