وجدت منال ما كانت تتوق إليه نفسها، إيهاب، الشاب الذي رأته يومًا في إحدى المحالّ التي كانت تتسوق فيها مع أختها، من أول إطلالةٍ رأته فيها، أعجبت به، وكأنَّ سحرًا به اجتذبها إليه، شعرت منال أيضًا أنَّ إيهاب أبدى إعجابًا حين رآها، نظراته ما لبثت أن انصبّت عليها، وهي، من أوحت لها بذلك.
وسرعان ما شعرت منال أنَّه ليس فقط نظراته تلاحقها، بل رأته وفي تلك اللحظة يتوجّه صوبها، إنّه مصممٌ أن يتحدث معها، وفعلاً، توجّه نحوها ، وكانت قد اشترت ما يلزمها، فغمرتها الفرحة عندما رأته مقبلٌ نحوها، فسألها إن كانت تملك هاتف، فقالت له أنّها تملك هاتفًا، فطلب في خجلٍ منها رقم هاتفها، فلم تتردد في إعطائه، شعرت أنَّ حبًا من أول نظرة يطرق بابها، ولكنّها لن تندفع إليه توًا، قبل أن تتعرف عليه أكثر، لن تُقدم على أيِّ خطوة، فالحب، هذا الشعور الحميم الدافئ المنساب كما الهمسات ، لن يجعلها تعيش في أوهام كاذبة، دون أن تتيّقن من صدقه....
بعد أن أخذ إيهاب رقم هاتفها، رجعت منال وأختها إلى البيت مُحمَّلةً بهدايا كثيرة لأمها ولأخيها، من ملابس وعطور، ها إنَّ الأموال تتدفق عليها كنهرٍ يفيض، وليفكّر الناس ويظنّوا الظنون ، نعم ليفكروا، هي لا يهمّها ما يقولون، ذلك أنّها كانت واثقة من تصرفاتها، ولا شيء تخجل منه.
في تلك الليلة، رنّ جرس هاتفها ، فدقَّ قلبها دقاتٍ متلاحقة ، أيكون هو ؟! .وكان أن صدق حدسها . وكَمْ سُعدت حين كلمّته، شعرت أنَّ قلبها ينبض بفرحٍ خفقات متتالية، خفقات تملؤها المشاعر العذبة الجيّاشة ، أخبرته أنّها تعيش مع عائلتها، وأنَّ أباها متوفٍ، وأنّها في الرابعة والعشرين من عمرها، لكنّها لم تُطلْ الحديث معه على الهاتف، فاقترح عليها أن يجتمعا ويتعرفا أكثر على بعض، فوافقت منال على اقتراحه.
هكذا حصل، فبعد مرور يومين، التقت منال بإيهاب في أحد الأماكن العامّة، كان هنالك حديث كثير يوّد إيهاب أن يبوح لها به، وفعلاً، أخبرها أنّه في الثلاثين من عمره، يعمل في مكتب عقارات، أعزب، وأيضًا أخبرها أنّه الآن ينتظر الفرصة التي تسنح له بالارتباط بفتاة، أمّا هي فلم تُحدثه عن ماضيها، إذ لم تكن هنالك مناسبةٌ للحديث عن الماضي، وأيضًا أخبرها أنَّ الماضي لا يهمّه، لأنّه لا ولن يغيّر شيئًا، بل هو تجربة يتعلم المرء منها، مجرّد هكذا، وليس أكثر، كم ارتاحت منال لمواقفه، خاصةً أنَّ هذا هو رأيها بخصوص الماضي، شعرت منال أنّها الآن وجدت الشخص الذي يتفّهمها من بين كثيرين لم يُضمروا لها إلاّ الحقد والكره، لم يروا فيها إلاّ صورة سيئة، إنّها وبعد حديث مطوّل معه شعرت أنَّ أفكاره تتناسب مع أفكارها وتلتقي ، هذه الأفكار التي ما زالت متمسكة بها رغم اعتقاد الجميع أنّها تتبنى أفكارًا مغايرة قديمة.
مضى على اللقاء ساعتان، وما زال قلب كلٍّ منهما مفعمٌ بالأحاديث التي يودُّ قولها للأخر، طلبت الآن هي منه، وبعد أن شعرت بالارتياح لما يقول، طلبت أن يتكرر اللقاء بينهما في الموعد الذي يُناسبه، فهي لم تكتفِ بما سمعته منه حتّى الآن، تريد أن تسمع ما هو أعمق، شيئًا يُناجي قلبها، تودُّ أن تلفظ شفتاه كلمة "أحبكِ"، إنّها الآن وبعد أن تعرفت عليه أكثر، تشعر بجسدها يحلّق بها إلى سماء مُكلّلة بالقلوب، وهي لا ترى من بين هذه القلوب سوى قلبه، الذي يتلّون بالجذل والحبور حين يرى قلبها.
كلُّ شيء أصبح قريبًا منها، الأمل الذي كان ينفر من الظلم الذي كانت تعيشه، ها إنّها الآن تعيش معه، الحياة عينها غدت أبهى وأزهى، شرعت تشمُّ رائحة البنفسج والياسمين الّلذين يتوجان الطبيعة، كما لم تعرف رائحتها من قبل، وهل كانت عصافير السماء تغرّد قبل أن تعرفه، أوّاه، يا لهُ من حبٍّ منقذٍ من الذبول، من الضَّياع، حبٍ ولج فؤادها وهي في توقٍ إليه، بعد أن حاصرت القلب آهات وعذابات كان قد بعثر بها الماضي، ولوّح بها القدر.
الورود كلَّ صباحٍ كانت تزيّنُ غرفتها، والمرسل واحدٌ، هو ومن غيره، إيهاب الذي ومنذ اللحظة التي رآها بها، انتعش الوجد في قلبه.
لشدة فرح منال بهذا الحب، أخبرت أختها وأمّها عنه، لكن حين علمت أمّها بدأ الخوف يُساورها، فقالت لمنال أنّه يتوجّب عليها أن تُصارحه بحقيقة ماضيها، فيعرف منها، أفضل من أن يسمع الخبر من غيرها، عند سماع ما قالته أمّها، شعرت بالحزن بعض الشيء، فالماضي من جديد يُلقي بظلاله على صفحة الحاضر، ويأبى إلاّ أن يكون له دورٌ في حياتها، بعد أن نسيته، ها إنّه الآن يلاحقها....
لكن سرعان ما فكرت منال مرةً أخرى بالموضوع، ورأت أنَّ أمّها على حقّ، فالأفضل أن تخبره ويعرف منها على أن يصله خبر كونها راقصة في الماضي من غيرها.
بعد أن التقت به في اليوم التالي، وحين همّت أن تخبره بالأمر، حتى طلب منها أن تغلق الموضوع، فلا يريد أن يعرف عن الماضي شيئًا ، صدّها بلطف ، وأغلق باب الحديث.
وذات يومٍ، وإذ به يتصل بها ويقول لها أنّه ضروريٌ أن يراها فهنالك أمرٌ بالغ الأهمية يريد أن يُحدثها به، وما أن ذهبت للقائه ، وإذ بها تتفاجأ به يقول لها "أنت الراقصة هنلال التي كانت ترقص في الحفلات"، نبرة حديثه كانت في غاية الجديّة، وقد بدا عليه الغضب الشديد ، وأردف قائلاًَ أنّه قرر قطع العلاقة التي تربطهما، لا شيء سيجمعهما بعد اليوم ، فبعد أن عرف من كانت، هو الآن يحتقرها، صُدمت منال جدًا عندما سمعت موقفه هذا، وهو الذي دومًا قال لها أنّه لا يعنيه الماضي، أينَ هو الآن ممّا قال، أمْ تلك كانت مجرّد شعارات كان يبثها لها، دون أن يكون لها أساس في نفسه وإيمان ،هو من قال أنَّ الماضي تجربة يجب التعلم منها، كم هو مناقضٌ لذاته، هكذا أضحى في نظرها، وهو في المحاولة التي سعت بها منال لإخباره عن ماضيها، هو من رفض أن تقول، والآن أصبح الماضي في نظره ذا أهمية وقيمة بالغتين.
حتّى هو، من أحبته وبصدق، الوحيد، من بين جميع من وقفوا ضدّها، كان في الحقيقة منهم، لم يختلف مطلقًا عنهم، بل هو صورةٌ أشدُّ رياءًَا منهم، كيف له بعد أن تجاهل الماضي يريد تذكره الآن، وجَعْلَهُ ذا مركزٍ مهمٍ من الحاضر.
ولكنّها رغم كلِّ ما حصل لها، إلاّ أنّها الآن أقوى، ولن تضعف أمامه، وإن أحبته، سوف تنساه، كمَن لم تعرفه مطلقًا ستغدو، هي منال الآن وليست الراقصة سابقًا، وإن تمسكَّ الجميع بموقفٍ صارمٍ تجاهها، هي الآن واثقة من نفسها، سعيدة، ومع الحزن، متفائلة أنّها ستجد من يحبها مع ماضيها، يحبّها لذاتها ماضيًا وحاضرًا والى الأبد.